aabakkour
۵ ماه قبل
جامع النوري في حماة: تحفة زنكية وشاهد حيّ على تسعة قرون من التاريخ يُعد جامع النوري في مدينة حماة من أعظم المعالم الدينية والمعمارية في سوريا، وأهم أثر إسلامي باقٍ من العهد الزنكي، إذ يزيد عمره اليوم عن تسعة قرون، ولا يزال شامخاً على ضفة نهر العاصي، شاهداً على ازدهار العمارة الإسلامية ودورها الديني والعلمي والاجتماعي في قلب المدينة. التأسيس والتاريخ بُني الجامع على يد السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي عام 558هـ / 1162م، كما تؤكد ذلك الكتابة التأسيسية المنقوشة على واجهته الشمالية، والتي ما تزال محفوظة حتى يومنا هذا، محفورة بخط جميل وحروف ضخمة بارزة، تؤرخ لبناء الجامع وتخلّد اسم مؤسسه. وقد شكّل الجامع منذ إنشائه مركزاً دينياً وعلمياً بارزاً، وكان مقصداً للعلماء والفقهاء وطلبة العلم، الأمر الذي تؤكده النقوش العربية الموجودة على الجدار الشمالي، والتي تشير إلى دوره كمكان للقاءات العلمية والمناظرات الفكرية. الموقع والأهمية العمرانية يقع جامع النوري في منطقة حماة القديمة، ويتربّع على الضفة الغربية لنهر العاصي، مقابل حي الكيلانية، في واحد من أجمل المواقع الطبيعية والعمرانية في المدينة. ويُطل الجامع على مشهد بانورامي أخّاذ يضم: قصر العظم الأثري جسر الكيلانية مجموعة من أشهر نواعير حماة: الجعبرية – الصهيونية (الصاهونية) – الكيلانية (الباز) بالإضافة إلى الحدائق والبساتين الخضراء التي تحيط بالمكان، مما جعله موضع دهشة وإعجاب للزوّار والسياح على مرّ العصور وحتى يومنا الحاضر. العمارة والتخطيط أبواب الجامع كان للجامع باب شاهق من الجهة الغربية، إلا أنه هُدم عبر الزمن، بينما لا يزال الباب الشمالي قائماً حتى اليوم، وهو من أبرز العناصر المعمارية في الجامع، لما يحمله من قيمة تاريخية وزخرفية. المئذنة من أهم ما يميز جامع النوري: مئذنته المربعة الواقعة في الزاوية الشمالية الغربية بُنيت بأسلوب معماري زنكي مميز تتناوب في بنائها مداميك الحجارة السوداء والبيضاء وتزيّنها زخارف حجرية بسيطة تعكس روح العمارة الإسلامية في القرن السادس الهجري الحرم يتألف حرم الجامع من قسمين رئيسيين: القسم الشرقي: سقفه مؤلف من خمس قباب متجاورة. القسم الجنوبي: مستطيل الشكل، معقود، ويضم منبراً خشبياً ثميناً يُعد من أروع المنابر التاريخية، مزين بزخارف: نباتية هندسية كتابية تعكس براعة الصناع المسلمين في ذلك العصر. الصحن والبركة يتميّز صحن الجامع بما يلي: أرضية مرصوفة ببلاط حجري أبيض جميل تتخلله زخارف بسيطة تضفي عليه جمالاً ووقاراً تتوسطه بركة ماء كبيرة مربعة الشكل كانت تستمد مياهها قديماً من ناعورة الجعبرية، في مشهد يجمع بين العمارة والهندسة المائية الفريدة التي اشتهرت بها حماة. البيمارستان (المشفى) إلى جانب الجامع، أنشأ السلطان نور الدين بيمارستاناً (مشفى) عام 559هـ / 1164م، في دلالة واضحة على اهتمامه بالعلم والطب والرعاية الإنسانية. ويتألف البيمارستان من: ساحة سماوية مفتوحة تتوسطها بركة مثمنة الشكل تحيط بها غرف متعددة للمرضى وقد كان هذا البيمارستان من المؤسسات الطبية المتقدمة في عصره، ويعكس التكامل بين الدين والعلم في الحضارة الإسلامية. النقوش والكتابات التاريخية يضم الجدار الشمالي للجامع كتابات فريدة، منها: نقش باللغة الإغريقية يشير إلى شجاعة أهالي حماة في مقاومتهم للحكام الرومان نقوش عربية توثق دور الجامع كمركز علمي وفكري وهذا التنوّع اللغوي يعكس تعاقب الحضارات على المدينة وأهميتها التاريخية. الجامع ومحيطه التاريخي قرب الجامع، بنى الملك المظفر قصره المعروف باسم قصر دار السعادة (في موقع بستان السعادة حالياً)، ما يؤكد أن المنطقة كانت مركزاً سياسياً ودينياً وعمرانياً مهماً في العصور الإسلامية. خاتمة إن جامع النوري في حماة ليس مجرد مسجد للصلاة، بل هو وثيقة حجرية حيّة تختزل تاريخ المدينة، وتروي قصة ازدهارها الديني والعلمي والعمراني. يجتمع فيه جمال الموقع، وروعة العمارة، وعمق التاريخ، ليبقى واحداً من أبرز معالم سوريا الإسلامية وأكثرها هيبةً وسحراً. رحم الله السلطان نور الدين محمود زنكي، الذي ترك لنا هذا الأثر الجميل، وجعل من العمارة رسالة حضارية وإنسانية عبر الزمن.